عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
251
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
ولعل طوافنا في مجلس من مجالس الأصمعي يوضح لنا ما كانت عليه أطعمة العباسيين من تطور وتنوع ويصور افراطهم في تناول اللحوم بأنواعها وأشكالها المختلفة من شواء وقلاء وسلاء . . . . ومن حمراء وصفراء وكدراء ، ومن آدام كثيرة وألوان طيبة تطبخ في قدور مختلفة الحجوم والطعوم لا في قدر واحدة كما كان يفعل العرب أيام عمر بن الخطاب لأن التفننن والاسراف في الطعام ما كان العرب المسلمون الأوائل يعرفونه أو يعترفون به . قال الجاحظ : شهدت الأصمعي يوما وقد أقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم ، وعما يأكلون ويشربون . فأقبل على الذي عن يمينه فقال : « أبا فلان ما إدامك ؟ قال : اللحم . قال : أكلّ يوم لحم ؟ قال نعم . قال : وفيه الصفراء والبيضاء والحمراء والكدراء والحامضة والحلوة والمرة ؟ قال : نعم . قال بئس العيش ، هذا ليس عيش آل الخطاب . كان عمر بن الخطاب رحمة اللّه عليه ورضوانه يضرب على هذا ، وكان يقول : مدمن اللحم كمدمن الخمر . ثم سأل الذي يليه قال : أبا فلان ما إدامك ؟ قال : الآدام الكثيرة والألوان الطيبة ، قال : أفي إدامك سمن ؟ قال : نعم ، قال فتجمع السمن والسمين على مائدة ؟ قال : نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب رحمة اللّه عليه ورضوانه يضرب على هذا . وكان إذا وجد القدور المختلفة الطعوم كدّرها في قدر واحد ، وقال : إن العرب لو أكلت هذا لقتل بعضها بعضا . ثم يقبل على الآخر فيقول : أبا فلان ما إدامك ؟ قال : اللحم السمين والجداء الرضيع . قال : فتأكله بالحوّارى « 1 » ؟ قال : نعم . قال : ليس هذا عيش آل الخطاب . كان ابن الخطاب يضرب على هذا ، أو ما سمعته يقول : أتروني لا أعرف الطعام الطيّب : لباب البر بصغار المعزى ، ألا تراه كيف ينتفي من أكله ، وتنتحل معرفته ؟ ثم يقبل على الذي يليه ، فيقول : أبا فلان ما أدمك ؟ فيقول : أكثر ما نأكل لحوم الجزور ، ونتخذ منها هذه القلايا ، ونجعل بعضها شواء ، قال : أفتأكل من أكبادها وأسمنتها ، وتتخذ لك الصباغ ؟ قال : نعم . قال ليس هذا عيش آل الخطاب ،
--> ( 1 ) الحوارى : الدقيق الأبيض .